ملا محمد مهدي النراقي

206

جامع السعادات

القصص والكتب الواردة من نواحي العالم ، ويأخذها ويسلمها إلى العقل الذي هو السلطان مختومة ، إذ ليس له إلا أخذها وحفظها ، وأما معرفة حقائق ما فيها فليس إليه . ولكن إذا صادف القلب العاقل الذي هو الأمير والملك سلم ، لأنها آتية إليه مختومة ، فيفتشها الملك ويطلع على أسرار المملكة ، ويحكم فيها بأحكام عجيبة لا يمكن استقصاؤها . وبحسب ما يلوح له من الأحكام والمصالح يحرك الجنود - أعني الأعضاء - في الطلب أو الهرب أو إتمام التدبيرات التي تعن له . ثم عجائب حكم العقل والأسباب التي يتوقف خلقه عليها ليس دركها في مقدرة البشر ، وهذه ما يتوقف عليه الأكل من الإدراكات وأسبابها . فصل لا فائدة في الغذاء ما لم يكن بشهوة وميل إذا أدرك الغذاء ، لم يفد فائدة ما لم تكن شهوة له وميل وشوق إليه . إذ لولا الميل إليه لكان إدراكه بأي حس وقوة فرضا معطلا . ألا ترى أن المريض يرى الطعام ويدرك أنه أنفع الأشياء له ، وقد سقطت شهوته ، فلا يتناوله ، فيبقى البصر والإدراك معطلا في حقه ؟ فيتوقف الأكل على ميل إلى الموافق ، ويسمى شهوة ، ونفرة عن المخالف ، ويسمى كراهة . فخلق الله شهوة الطعام وسلطها على الإنسان كالمتقاضي الذي يضطره إلى التناول ، وهذه الشهوة لو لم تسكن بعد أخذ قدر الحاجة لأسرفت وأهلكت نفسه ، فخلق الله الكراهة عند الشبع لترك الأكل بها ، ولم يجعلها كالزرع الذي لا يزال يجتذب الماء إذا أنصب في أسافله حتى يفسد ، ولذلك يحتاج إلى آدمي يقدر غذاءه بقدر الحاجة ، فيسقيه مرة ويقطع عنه الماء أخرى . ثم مجرد الميل والشهوة لا يكفي ، ما لم تنبعث الداعية إلى تناول الغذاء ، فخلق الله تعالى له الإرادة أعني انبعاث النفس إلى تناوله . وربما حصل الاحتياج إلى قوة الغضب أيضا ليندفع عن نفسه المؤذي وما يضاده ويخالفه ، ومن أراد أن يأخذ منه ما حصله من الغذاء . ثم لكل واحد من الشهوة ، والكراهة ، والإرادة ، والغضب ، أسباب لا يمكن إحصاؤها . ثم بعد أدراك الغذاء وميله وشهوته وإرادته ، لا يفيد شيئا من ذلك ما لم يتحقق الطلب والأخذ بالفعل بآلاتهما . فكم من زمن شائق إلى شئ بعيد منه مدرك له مائل